محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

276

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

يخشك ، ولا حكمة لمن لم يؤمن بك ! » . قال في « لطائف المنن » : « فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه الخشية للّه تعالى ، وشاهد الخشية موافقة الأمر أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها ، وصرف الهمّة لاكتسابها ، والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء ؛ وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه ؟ ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء مثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها . جعل اللّه العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه » ا ه . وكان سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه ، يقول : « لا تقطعوا أمرا من أمور الدنيا والدين إلا بمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند اللّه تعالى : قيل يا أبا محمد : من العلماء ؟ قال : الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ، ويؤثرون اللّه تعالى على نفوسهم » . وقد قال عمر بن الخطاب ، رضي اللّه تعالى عنه ، في وصيته : « وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه تعالى » . وقال الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه : « أرحم الناس العلماء ؛ لخشيتهم من اللّه تعالى وإشفاقهم مما علّمهم اللّه عزّ وجل » . وقال في التنوير ، في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « طلب العلم تكفل اللّه له برزقه » : اعلم أنّ العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز أو في السنة إنّما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة قال اللّه سبحانه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] فبيّن أن الخشية تلازم العلم . وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية ، وكذلك قول اللّه تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ * [ القصص : 80 ] وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم » « 1 » وقوله : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » وقوله هنا : « طالب العلم تكفل اللّه برزقه » إنما المراد بالعلم في هذه المواطن : العلم النافع القاهر للهوى ، القامع للشهوة ؛ وذلك متعيّن بالضرورة ؛ لأن كلام اللّه وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم أجل من أن يحمل على غير هذا - وقد بينا ذلك في غير هذا الكتاب - والعلم النافع هو الذي يستعان به على

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( علم ، 1 ) والترمذي ( علم ، 9 ) ، والنسائي ( طهارة ، 112 ) ، وابن ماجة ( مقدمة ، 17 ) ، وأحمد بن حنبل ( 4 ، 239 ، 240 ، 241 ، 5 ، 196 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( علم ، 10 ) [ في الترجمة ] ، وأبو داود ( علم ، 1 ) وابن ماجة ( مقدمة ، 17 ) والدارمي ( مقدمة ، 32 ) ، وأحمد بن حنبل ( 5 ، 196 ) .